تفتح تطبيقين للصلاة فتجد بين وقتَي الفجر فيهما أربع عشرة دقيقة، ثم ترى في تقويم المسجد وقتًا ثالثًا. قبل أن تحكم بأن أحدها خاطئ، اعلم أن معظم هذه الفروق مقصودة. فمواقيت الصلاة تُحسب من موقع الشمس، لكن التعريف الدقيق لكل وقت يختلف بين الهيئات العلمية والدول، بل بين المساجد أحيانًا.
إليك الأسباب الحقيقية لهذه الفروق، وكيف تختار المواقيت التي تتبعها.
الفجر والعشاء مرتبطان بزاوية انخفاض الشمس
الاتفاق على الظهر والمغرب سهل نسبيًا: يدخل الظهر بعد زوال الشمس عن كبد السماء، ويدخل المغرب بغروبها. أما الفجر والعشاء فأمرهما مختلف، لأنهما مرتبطان بالشفق، أي الضوء الذي يبقى في السماء والشمس تحت الأفق، وهو ضوء يظهر ويختفي تدريجيًا لا في لحظة واضحة.
ولتحويل "طلوع الفجر الصادق" و"غياب الشفق" إلى أرقام، تعتمد طرق الحساب على زاوية انخفاض الشمس تحت الأفق. فيدخل الفجر حين تبلغ الشمس قبل شروقها زاوية معينة تحت الأفق، ويدخل العشاء حين تنخفض بعد غروبها إلى زاوية معينة. وقد انتهت الهيئات، بناءً على الرصد والاجتهاد الفقهي، إلى زوايا مختلفة:
| الطريقة | زاوية الفجر | العشاء |
|---|---|---|
| رابطة العالم الإسلامي | 18° | 17° |
| الهيئة المصرية العامة للمساحة | 19.5° | 17.5° |
| تقويم أم القرى (مكة المكرمة) | 18.5° | 90 دقيقة بعد المغرب |
| الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية (ISNA) | 15° | 15° |
| رئاسة الشؤون الدينية التركية (ديانت) | 18° | 17° |
| وزارة الشؤون الدينية الإندونيسية | 20° | 18° |
كلما كبرت الزاوية بكّر الفجر وتأخر العشاء. وقرب خط الاستواء تقطع الشمس درجة واحدة من الانخفاض في نحو أربع دقائق، فالفارق البالغ ثلاث درجات بين طريقة ISNA ورابطة العالم الإسلامي يغيّر وقت الفجر بنحو 12 دقيقة. وكلما ابتعدنا عن خط الاستواء صار نزول الشمس تحت الأفق أكثر ميلًا، فتطول مدة كل درجة، وقد يتجاوز الفارق نفسه نصف ساعة في الصيف.
ولاحظ أن تقويم أم القرى لا يستخدم زاوية للعشاء أصلًا، بل يجعله بعد المغرب بمدة ثابتة، لذا قد يختلف عشاؤه عن الطرق المعتمدة على الزاوية اختلافًا ملحوظًا يتغير مع الفصول.
العصر: ظل المثل أم ظل المثلين
يُحدَّد وقت العصر بطول الظل بعد الزوال، وفيه خلاف معروف بين المذاهب:
- الشافعية والمالكية والحنابلة (قول الجمهور): يدخل العصر حين يصير ظل الشيء مثله، بعد فيء الزوال.
- الحنفية (قول الإمام أبي حنيفة): يدخل العصر حين يصير ظل الشيء مثليه، بعد فيء الزوال.
ولكلا القولين أدلته وتاريخه العلمي الطويل. والأثر العملي أن العصر على القول الحنفي يتأخر بما يتراوح بين نصف ساعة وأكثر من ساعة بحسب الفصل وخط العرض. فإذا كان التطبيق مضبوطًا على قول الجمهور وأنت تتبع قول أبي حنيفة، أو العكس، فسترى فرقًا واضحًا في وقت العصر. والأولى اتباع ما عليه أهل العلم في بلدك ومسجدك.
دقائق الاحتياط (التمكين)
لا تنشر بعض الجهات اللحظة الفلكية المجردة، بل تضيف إليها دقائق أو تطرح منها احتياطًا، ويُسمّى ذلك الاحتياط أو التمكين. ومن أسبابه:
- المدينة تمتد على مساحة واسعة، والتقويم الواحد يجب أن يصح لأطرافها الشرقية والغربية.
- الارتفاع عن سطح البحر وانكسار الضوء قرب الأفق وفروق التقريب قد تحرّك اللحظة الحقيقية قليلًا.
- الدخول في الصلاة بعد دخول وقتها بقليل أحوط من الدخول قبله، والإمساك للصيام قبل الفجر بقليل أحوط من تأخيره.
ومن أوضح الأمثلة رئاسة الشؤون الدينية التركية؛ فإلى جانب زاويتي 18° و17°، تقدّم الشروق 7 دقائق، وتؤخر الظهر 5 دقائق والعصر 4 دقائق والمغرب 7 دقائق. وتضيف وزارة الشؤون الدينية الإندونيسية دقيقتين تقريبًا إلى كل وقت. فالتطبيق الذي يستخدم الزوايا نفسها دون هذه التعديلات سيختلف عن التقويم الرسمي ببضع دقائق.
خطوط العرض العليا: ليالٍ لا يغيب فيها الشفق
شمال خط عرض 48.5° تقريبًا لا تنخفض الشمس 18° تحت الأفق في الأيام القريبة من الانقلاب الصيفي، ومن ذلك باريس ولندن وبرلين وستوكهولم. في تلك الليالي لا يوجد فجر أو عشاء بالمعنى الحسابي للزاوية، فتلجأ الطرق إلى قاعدة بديلة، منها:
- منتصف الليل: لا يتأخر العشاء ولا يتقدم الفجر عن منتصف ما بين الغروب والشروق.
- سُبع الليل: يُقسَم الليل سبعة أجزاء، فلا يتأخر العشاء عن نهاية السُّبع الأول، ولا يتقدم الفجر عن أول السُّبع الأخير.
- النسبة إلى الزاوية: يُقسَم الليل بنسبة الزاوية (لزاوية 18° يكون الجزء 18/60 من الليل).
وكل قاعدة تعطي مواقيت صيفية مختلفة، ولهذا تنشر كثير من مساجد شمال أوروبا تقاويمها الخاصة، وقد يختلف تطبيقان بساعة أو أكثر في شهر يونيو.
وقت المسجد غالبًا هو وقت الإقامة
تعرض تقاويم كثير من المساجد عمودين: الأذان (دخول الوقت) والإقامة (قيام الجماعة للصلاة). وقد تكون الإقامة بعد الأذان بعشر دقائق إلى عشرين، أو ثابتة على مدار السنة. والتطبيق يبيّن متى يدخل الوقت، لا متى يصلي مسجدك جماعة. وكلاهما صحيح، لكنهما يجيبان عن سؤالين مختلفين.
الموقع والمنطقة الزمنية
الحساب لا يكون أدق من الإحداثيات والساعة اللتين يعتمد عليهما.
- الإحداثيات: كل درجة طول نحو الشرق تجعل المواقيت أبكر بنحو أربع دقائق. والتقويم المطبوع يُحسب لنقطة مرجعية واحدة في المدينة، فإن كنت بعيدًا عنها اختلفت مواقيتك عنه قليلًا.
- المنطقة الزمنية والتوقيت الصيفي: إن كانت المنطقة الزمنية في الجهاز خاطئة، أو طُبع التقويم قبل تغيير التوقيت الصيفي، فستنزاح كل المواقيت ساعة كاملة.
- السفر: التطبيق الذي لم يحدّث موقعك يعرض مواقيت المكان الذي جئت منه لا المكان الذي أنت فيه.
إذا انزاحت كل المواقيت بالقدر نفسه فالسبب غالبًا الموقع أو المنطقة الزمنية، وإذا اختلف الفجر والعشاء وحدهما فالسبب الزاوية، وإذا اختلف العصر وحده فالسبب إعداد المذهب.
كيف تختار المواقيت الصحيحة؟
- اتبع الجهة الرسمية في بلدك أو مسجدك. ففي السعودية يُعتمد غالبًا تقويم أم القرى، وفي مصر طريقة الهيئة المصرية العامة للمساحة. وإن كنت في بلد غير مسلم فاسأل مسجدك عن الطريقة وقاعدة خطوط العرض العليا التي يعتمدها.
- اضبط حساب العصر وفق مذهبك. اختر قول الجمهور أو القول الحنفي عن قصد، لا أن تتركه على الإعداد الافتراضي.
- قارن بتقويم واحد تثق به. اختر يومًا وقارن المواقيت الستة واحدًا واحدًا، واضبط حتى تتطابق. والفرق المتبقي بدقيقة أو دقيقتين يعود غالبًا إلى التقريب.
- راجع الموقع والمنطقة الزمنية بعد السفر وبعد تغيير التوقيت الصيفي.
فتطبيق WAQT مثلًا يقترح طريقة حساب مبدئية بحسب بلدك، ويتيح لك الاختيار بين 25 طريقة، منها أم القرى والهيئة المصرية ورابطة العالم الإسلامي وديانت، إضافة إلى خيار مخصص تحدد فيه الزوايا وقاعدة خطوط العرض العليا بنفسك. ويمكنك كذلك ضبط العصر على قول الجمهور أو القول الحنفي، وتعديل كل وقت على حدة حتى 30 دقيقة تقديمًا أو تأخيرًا ليطابق تقويم مسجدك تمامًا.
الخلاصة العملية
اختلاف مواقيت الصلاة لا يعني في الغالب أن أحد المصادر مخطئ، بل يعكس عادةً زاوية مختلفة، أو قولًا مختلفًا في العصر، أو دقائق احتياط مضافة، أو قاعدة لخطوط العرض العليا، أو مجرد موقع مختلف. اختر الطريقة التي يعتمدها أهل بلدك ومسجدك، واضبط العصر وفق مذهبك، وعدّل المواقيت لتطابق التقويم الذي تثق به، ثم حافظ على الإعدادات نفسها طوال العام.